موسم هجرة “حماس”!..

عواصم – وكالات – فيتو بوست:

مرت حركة المقاومة الإسلامية حماس منذ تأسيسها على يد الشيخ الشهيد أحمد ياسين بمراحل وتقلبات جيوسياسية عديدة تبعاً للمد والجزر الذي أصاب علاقاتها مع الداخل الفلسطيني والمحيط العربي والإقليمي.
وشهدت الحركة على امتداد تاريخها “هجرات” متعددة تحت عناوين مختلفة لكن المضمون بقي واحداً. فقد لحقت صفة “الإرهاب” حماس أينما ارتحلت وظل هذا السيف مسلط على رقبتها حتى يومنا هذا. ويعود هذا الأمر لأسباب كثيرة أولها بأن الحركة تأسست أصلاً من ما يعرف بتجمع الإخوان المسلمين في فلسطين وكلنا يعرف علاقة كافة الأنظمة العربية تقريباً بالإخوان الملسلمين منذ تأسيسها في مصر أيام الملك فاروق حتى صدامها مع الإمارات العربية المتحدة في السنوات الأخيرة.
سمة أو بالأصح تهمة “الإرهاب” التي كانت دوماً أساس “مطاردة” حماس من مكان لآخر بدأت أو انطلقت من إسرائيل التي حرصت منذ اليوم الأول لظهور الحركة على وصمها بهذه الصفة كي تكون الحركة بجناحيها السياسي والعسكري، ممثلاً بكتائب عز الدين القسّام، هدفاً “مشروعاً” لإسرائيل في أي لحظة و”شماعة” يعلق عليها كل العرب المتخاذلين عن نصرة فلسطين كل تراجعهم وانكسارهم. بل أكثر من ذلك، حيث باتت العلاقة مع حماس، خصوصاً بعد ذهاب أوروبا وواشنطن في السياق الإسرائيلي لتبني الموقف ذاته من حماس، أي تصنيفها منظمة إرهابية، باتت الحركة دوماً “تحت الشبهة” وأي دولة عربية تستخدم هذا الأمر كورقة ضغط على الحركة لتسايرها الأخيرة وتسير في ركب تلك الدولة حسب الاتجاه الذي تختاره لتصبح فلسطين في المقام الثاني دوماً بالنسبة للحالة الوطنية لهذه الدولة العربية أو تلك.
هذه “التبعية” والظلم التاريخي الذي لحق بالحركة شهدته تقريباً جميع الفصائل الفلسطينية على مدار سنوات طويلة بعد الاحتلال الإسرائيلي لبلادهم 1948 فمنظمة التحرير الفلسطينية هُجرت من الأردن بعد أحداث ما بات يعرف اليوم بـ “أيلول الأسود” 1970، ثم عادت لتُهجر من لبنان 1982 إثر الحرب الأهلية والغزو الإسرائيلي اللاحق لتذهب إلى تونس ثم لتعود بمن بقي فيها من عدد قليل إلى رام الله بعد توقيع اتفاق أوسلو 1994.
كذلك الأمر حدث مع حماس التي بدأت هجراتها منذ أيام مرج الزهور ولا ندري أي سيحط بها الرحال بعد أن تخرج من قطر. هل ستذهب للجزائر أم دولة أخرى، أم ستعود إلى غزة ويبقى وضع القطاع “شاذاً” على المستوى الفلسطيني؟! كلها أسئلة مشروعة لكن جوابها ليس عند حماس وحدها بل هو برسم العرب جميعاً دون استثناء رغم اختلاف الموقف بين من يظن أن يده في الماء والآخر الذي يده بالنار فعلاً.

حماس.. لمحة تاريخية

أعلن عن تأسيسها الشيخ أحمد ياسين بعد حادث الشاحنة الصهيونية في 6 كانون الأول 1987م، حيث اجتمع سبعة من كوادر وكبار قادة العمل الدعوي الإسلامي، الذين ينتمون فكرياً لتيار الإخوان المسلمين، ومعظمهم من الدعاة العاملين في الساحة الفلسطينية وهم: أحمد ياسين، وإبراهيم اليازوري، ومحمد شمعة (ممثلو مدينة غزة)، وعبد الفتاح دخان (ممثل المنطقة الوسطى)، وعبد العزيز الرنتيسي (ممثل خان يونس)، وعيسى النشار (ممثل مدينة رفح)، وصلاح شحادة (ممثل منطقة الشمال)،وكان هذا الاجتماع إيذانًا بانطلاق حركة حماس وبداية الشرارة الأولى للعمل الجماهيري الإسلامي ضد الاحتلال الذي أخذ مراحل متطورة لاحقاً.
وزعت الحركة بيانها التأسيسي في 15 كانون الأول / ديسمبر 1987، إبان ما عرف حينها بـ “انتفاضة الحجارة” التي اندلعت في الفترة من 1987 وحتى 1994، ثم صدر ميثاق الحركة في 1 محرم 1409 هـ الموافق 18 آب / أغسطس 1988، لكن وجود التيار الإسلامي في فلسطين له مسميات أخرى ترجع إلى ما قبل عام 1948م حيث تعتبر حماس نفسها امتداداً لجماعة الإخوان المسلمين التي تأسست في مصر عام 1928. وقبل الإعلان الفعلي عن الحركة في 1987 كانت الحركة تعمل في فلسطين تحت اسم: “المرابطون على أرض الإسراء”، وأحياينا تحت اسم “حركة الكفاح الإسلامي”.

وبدأت حركة حماس بالعمل العسكري ضد قوات الاحتلال الإسرائيلي قبل الإعلان الرسمي عن انطلاقتها، فقد أسس الشيخ صلاح شحادة أول جهاز عسكري للحركة والذي كان يُعرف حينها باسم “المجاهدون الفلسطينيون” عام 1984، وكان عبارة عن مجموعة صغيرة من الخلايا العسكرية السرية التي نفذت سلسلة من العمليات ضد الاحتلال. ثم وفي عام 1991 قامت حماس بتغيير اسم جناحها العسكري ليصبح ما هو متعارف عليه اليوم “كتائب الشهيد عز الدين القسام”.

هجرات حماس

1- مرج الزهور – لبنان:

قامت قوات الاحتلال الإسرائيلي في الرابع عشر من شهر ديسمبر / كانون الأول عام 1992 بإبعاد 415 فلسطينيا من حركتي حماس والجهاد الإسلامي إلى مرج الزهور جنوب لبنان عقب أسر كتائب القسام الجندي نسيم توليدانو وقتله إثر رفض الاحتلال الإفراج عن الشيخ أحمد ياسين، وقد رفض المبعدون القرار وقرروا المكوث في مرج الزهور وأقاموا مخيم “العودة”، وقد نجحوا في إدارة المخيم فقد أسسوا جامعة ابن تيمية لاستكمال دراستهم الجامعية التي تخرج منهاا نحو 88 طالبا، وأسسوا كذلك عيادة لمداوة المرضى وكان يديرها المبعد عمر فروانة، وقد اتفقوا على تعيين الدكتور عبدالعزيز الرنتيسي ناطقا باسم المبعدين باللغة العربية، والدكتور عزيز دويك ناطقا باللغة الإنجليزية.
ومع طول مدة الإبعاد ورفض المبعدين الدخول إلى لبنان، أصبحت قضيتهم قضية رأي عام عالمي؛ مما اضطر مجلس الأمن الدولي إلى عقد جلسة واستصدار قرار رقم799 الذي يدين سياسية الإبعاد، مطالبا الاحتلال بالتكفل بإعادتهم إلى ديارهم وبعدها بدأ الاحتلال بإعادتهم إلى ديارهم.

2- الأردن

في بداية تسعينيات القرن الماضي انتقلت قيادة حماس إلى الأردن الذي سمح للحركة بفتح مكاتب لها في العاصمة الأردنية عمان بعد توقيع اتفاق وادي عربة للسلام بين الأردن وإسرائيل في أكتوبر/ تشرين الأول عام 1994. بعد ذلك حاولت إسرائيل في سبتمبر/ ايلول عام 1996 اغتيال رئيس المكتب السياسي للحركة خالد مشعل، مما جعل الملك حسين بن طلال يهدد بإلغاء اتفاق السلام إذا مات مشعل، وأبرمت الأردن صفقة مع إسرائيل تم بموجبها الإفراج عن عملاء للموساد مقابل الترياق لخالد مشعل، واستكملت الصفقة بالإفراج عن الشيخ المؤسس أحمد ياسين وعدد من السجناء في سجون الاحتلال الإسرائيلي.
وفي عام 1999م قررت عمّان إبعاد خمسة من قيادة الحركة إلى سوريا إثر تدهور العلاقات مع حماس،لكن المملكة الأردنية سمحت لخالد مشعل بدخول الأراضي الأردنية لأسباب إنسانية منها لدفن أبيه في أغسطس عام 2009، وزيارة لدفن أمه في سبتمبر عام 2016.
لكن الزيارة الرسمية الأولى لخالد مشعل إلى الأردن بعد الإبعاد جاءت برفقة ولي عهد دولة قطر أثناء زيارته للملكة الأردنية عام 2012، غير أن الزيارة لم تتطور إلى إعادة العلاقات.

3- سوريا

جاءت حماس بشكل رسمي إلى سوريا عقب خروجها من الأردن عام 1999، وشهدت العلاقة بين حماس ودمشق دفئاً كبيراً تحديداً أثناء حرب إسرائيل الأولى ضد غزة نهاية 2008 وبداية 2009 حيث قامت دمشق والدوحة حينها بالدعوة إلى عقد اجتماع طارئ لجامعة الدول العربية فيما سُمي بقمة غزة الطارئة في العاصمة القطرية، وحضور مسؤولي الفصائل الفلسطينية القمة على رأسهم خالد مشعل ورمضان شلح.
لكن “شهر العسل” السوري الحمساوي لم يدم طويلاً رغم التطور الكبير في علاقة حماس مع حلفاء دمشق التقليديين إيران وحزب الله والذي بلغ مستويات متقدمة جداً حتى اندلاع أحداث الثورة السورية في مارس / آذار 2011. حيث خرجت حماس من سوريا ونقلت مكاتبها إلى الدوحة.
وبسبب طبيعة التحالف القوي الذي كان يربطها بالدولة السورية رفضت حماس بعد خروجها من دمشق لمدة عام التعليق على الأحداث في سوريا، إلى أن أعلنت الحركة بعد نحو عام من بداية الثورة أنها تقف مع الشعوب في نيل حريتها وكرامتها حيث قال إسماعيل هنية خلال خطبة الجمعة في الجامع الأزهر في مصر “أحيي كل شعوب الربيع العربي وأحيي شعب سوريا البطل الذي يسعى نحو الحرية والديمقراطية والإصلاح”، لتسجل الحركة بذلك موقفاً واضحاً بأنها ستبقى دوماً في صف الشعوب لا الحكام. وفي نوفمبر / تشرين الثاني عام 2012 أعلنت الحكومة السورية إغلاق مكاتب الحركة بالشمع الأحمر. لكن الحركة عادت في فبراير / شباط عام 2016 لتعلن موقفها مما يجري في سوريا وغيرها من الدول العربية أنه موقف ثابت مبني على قاعدة عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وشددت على أنه لا دور لحماس في الأزمة السورية، وأن موقفها من حق الشعب السوري في تقرير مصيره لم ولن يتبدل.

4- قطر

بدأت علاقة حماس بدولة قطر تأخذ طابعاً جدياً إثر فوز الحركة في الانتخابات التشريعية الفلسطينية 2006، لكن العلاقة أخذت منحى جديداً بعد توجيه قطر الدعوة لرئيس المكتب السياسي للحركة حينها خالد مشعل لحضور قمة الدوحة أو ما عُرفت بـقمة غزة الطارئة أثناء الحرب الإسرائيلية الأولى على غزة عام 2008-2009. وبعد اندلاع الأزمة السورية عام 2011 قررت حركة حماس الخروج من سوريا ووافقت دولة قطر على استقبالها وفتح مكاتب لها. ومنذ ذلك الحين قدمت الدوحة الرعاية والدعم المادي والسياسيلحركة حماس إن كان على على شكل مشاريع ميدانية خدماتية في قطاع غزة، أو دعمها سياسياً في المحافل الدولية والدفاع عن مواقفها. وفي 22/10/2012 زار أمير دولة قطر حينها الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني ورئيس الوزراء الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني قطاع غزة في زيارة هي الأولى من نوعها منذ فرض الحصار الإسرائيلي – المصري على القطاع عام 2006. وفي إطار سعي قطر للتوصل إلى مصالحة وطنية فلسطينية بين فتح وحماس بعد استيلاء الأخيرة على مقاليد السلطة في غزة، استضافت الدوحة عدة جولات للمصالحة بين حركتي حماس وفتح، وفي 22/7/2016 أعلن الديوان الأميري القطري قرار دفع رواتب لموظفي حكومة حماس عن شهر يوليو 2016.
لكن الأزمة الخليجية التي اندلعت مؤخراً في 5 يونيو / حزيران الماضي 2017 سوف تؤثر حتماً كما تشير كل المعطيات على وجود حماس بالدوحة وشكل العلاقة المستقبيلة بين الطرفين خصوصاً مع اشتراط الدول المقاطعة لقطر، وهي السعودية والإمارات والبحرين ومصر، إخراج قيادة حماس من الدوحة وذلك بعد أقل من شهر على وضع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ومن قلب الرياض حركة حماس في خندق واحد مع منظمة القاعدة وداعش.

الوجهة القادمة

السؤال الذي يؤرق كثيرين اليوم إلى اين ستذهب حماس بعد الدوحة، وأين ستحط  رحالها خصوصاً بعد تعديل ميثاقها وشطب العبارات التي تدعو للقضاء على إسرائيل ما يمثل تغيراً جوهرياً في سياسة الحركة. وكذلك بعد تغيير مكتبها السياسي وانتخاب إسماعيل هنية، الموجود أصلاً في غزة، على راس المكتب السياسي.
لقد استفادت حماس من تجارب منظمة التحرير الفلسطينية مع الدول العربية ومشاكل طردها من بلد لآخر، فاعتمدت حماس منذ البداية توزيع قياداتها بشكل متوازن بين الداخل والخارج مع بقاء المكتب السياسي كعنصر مركزي بينما أعضائه يعيشون في دول مختلفة. لكن ما مدى نجاعة هذا الحل اليوم والحركة تجد نفسها في موقف لا تحسد عليه. فريق كبير من العرب تقوده السعودية والإمارات ومصر يراها خطراً وجودياً عليه وفريق آخر يعتبرها “خائنة” كدمشق وفريق ثالث لا يحب أن يراها بقربه على مبدأ “ابعد عن الشر وغني له”، فلا يبقى امامها سوى خيارات محدودة لعل أبرزها استضافة لبنان لها، وهو أمر مستبعد لأسباب وتعقيدات لبنانية داخلية كثيرة أو الجزائر، وهو أمر محتمل. لكن إذا لم يفلح ذلك الأمر سوف تبتعد حماس أكثر عن فلسطين إلى حدود قد تصل فيها إلى اندونيسيا.
هذا ما ستكشفه الأيام القليلة القادمة..
فيتو بوست