وراء الإنهاء المفاجئ لثوار الاستخبارات الامريكية

 

فيتو بوست

واشنطن- جاءت النهاية سريعة لواحد من برامج العمل السرية الأكثر تكلفة في تاريخ الاستخبارات الأمريكية
خلال مؤتمر صحفي في البيت الأبيض في بداية الشهر الماضي، تَقَدَمَ مدير الاستخبارات الأمريكية مايك بومبيو للرئيس ترامب بتوصية وقف برنامج/ جهد أربع سنوات في تسليح وتدريب الثوار السوريين. وسرعان ما أوقف الرئيس البرنامج.
كان جيش الثوار آنذاك عرضةً لعام من قصف الطائرات الروسية، رابضاً في مناطق سوريا التي لم تتمكن قوات النظام استعادتها. وقد تذمر نقاد في الكونغرس لسنوات من التكاليف – أكثر من مليار دولار على مدى مدة البرنامج – وتفيد التقارير بأن بعض الأسلحة البرنامج التي قدمتها وكالة الاستخبارات المركزية قد ذهبت إلى جماعة مسلحة مرتبطة بتنظيم القاعدة.
في حين أن منتقدي السيد ترامب قالوا أنه أوقف البرنامج لكسب ود فلاديمير بوتين روسيا، ففي الواقع كانت هناك وجهات نظر مبهمة للجهد في كل من البيت البيضوي في عهد أوباما وترامب – التقاء نادر في الرأي على صعيد السياسة الأمنية القومية.
فقد دفع إيقاف البرنامج- وهو أحد الجهود الأكثر تكلفة لتسليح وتدريب الثوار منذ برنامج الوكالة في تسليح المجاهدين في أفغانستان خلال الثمانينيات- إلى تقييم نقاط نجاحه وفشله. يقول معارضون أنه كان تهوراً مكلفاً وغير فعال. بينما يقول مؤيدون أنه كان دقيقاً وحذراً دون داع، وأن إنجازاته كانت مميزة، بالنظر إلى أن إدارة أوباما فرضت عليه الكثير من القيود منذ البداية، والتي في نهاية المطاف ضمنت فشله.
حقق البرنامج فترات من النجاح، بما في ذلك في عام 2015، عندما استخدم الثوار الصواريخ التي تدمر الدبابات، والتي قدمتها وكالة الاستخبارات المركزية وكذلك السعودية. ولكن بحلول أواخر عام 2015، كان الهجوم العسكري الروسي في سوريا يركز بشكل مباشر على المقاتلين المدعومين من وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، حيث كان هؤلاء المقاتلون يقاتلون قوات بشار الأسد. قُتِلَ العديد من المقاتلين، وانقلبت حظوظ جيش الثوار.
يقول تشارلز ليستر، خبير في الوضع السوري في معهد الشرق الأوسط، إنه لم يُفاجأ بأن حكومة ترامب أنهت البرنامج الذي درب وسلح الآلاف من الثوار السوريين. (وعلى سبيل المقارنة، تم إلغاء برنامج البنتاغون الـ 500 مليون دولار في عام 2015، الذي هَدَفَ إلى تدريب وتجهيز 15 ألف من الثوار السوريين على مدى ثلاث سنوات، بعد أن تم تخريج بضعة عشرات فقط من المقاتلين).
وقال ليستر من برنامج وكالة الاستخبارات المركزية: “لعدة طرق، أضع اللوم على إدارة أوباما. إنهم لم يمنحوه أبداً الموارد أو المساحة اللازمة لتحديد ديناميات ساحة المعركة. كانوا جماعات معارضة تغذى بالتنقيط الكافي فقط للبقاء، ولكن لم يكن كافياً ليصبحوا لاعبين مهيمنين”.
وقد انتقد السيد ترامب مرتين علانية الجهد منذ أن أوقفه. بعد أن ذكرت صحيفة واشنطن بوست لأول مرة عن قراره، قال السيد ترامب إنه كان يوقف “دفعات ضخمة وخطيرة ومكلفة للثوار السوريين الذين يقاتلون بشار الأسد”. وخلال مقابلة مع صحيفة وول ستريت جورنال الشهر الماضي، قال ترامب: انتهى المطاف بالعديد من الأسلحة التي زودتها وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي ايه) في يد “القاعدة”- ويفترض أنن تكون إشارة إلى جبهة النصرة التابعة للقاعدة التي كثيراً ما تقاتل إلى جانب الثوار المدعومين من وكالة الاستخبارات المركزية.
قال مايكل هايدن، المدير السابق في وكالة الاستخبارات المركزية: “قد تمنح تصريحات الرئيس الوكالة وقفة فيما يتعلق بمدى دعمه لإعمال سرية في المستقبل”. وقال الجنرال ريموند توماس الثالث قائد قيادة العمليات الخاصة للولايات المتحدة خلال مؤتمر الشهر الماضي: إنهاء برنامج وكالة الاستخبارات المركزية “قرار صعب وقاس”. وأضاف: “على الأقل مما أعرفه عن هذا البرنامج وقرار إيقافه، لم يكن الأمر على الاطلاق لكسب ود الروس. أعتقد أنه بناءً على تقييم طبيعة البرنامج، وما نحاول إنجازه، وإمكانية الاستمرار فيه”.
وكان الرئيس باراك أوباما قد وافق على مضض على البرنامج في عام 2013، حيث كانت الإدارة تحاول إضعاف زخم قوات النظام الموالية لبشار الأسد. وسرعان ما سقط ضحية للتحالفات المتغيرة باستمرار في الحرب السورية، والرؤية المحدودة التي يتمتع بها المسؤولون العسكريون الأمريكيون والاستخبارات الأمريكية حول ما يحدث على الأرض.
بمجرد أن عبر المقاتلون المدربون من وكالة سي آي أيه إلى سوريا، واجه ضباط الوكالة صعوبة في السيطرة عليهم. والحقيقة أن بعض من أسلحة وكالة الاستخبارات انتهت بأيدي مقاتلي جبهة النصرة – وانضم بعض الثوار إلى الجبهة – مؤكدةً مخاوف الكثيرين في إدارة أوباما في وقت بدأ البرنامج. وعلى الرغم من أن جبهة النصرة كانت تعتبر على نطاق واسع قوة قتالية فعالة ضد قوات بشار الأسد، فإن انتماءها لتنظيم القاعدة جعل من المستحيل على إدارة أوباما تقديم الدعم المباشر للجماعة.
يقدر مسؤولو المخابرات الأمريكية أن جبهة النصرة لديها الآن ما يصل إلى 20 ألف مقاتلاً في سوريا، مما يجعلها أكبر فرع تابع للقاعدة. وخلافاً لغيرها من الجماعات التابعة للقاعدة مثل القاعدة في شبه الجزيرة العربية، ركزت جبهة النصرة منذ فترة طويلة على محاربة نظام بشار الأسد بدلاً من التخطيط لهجمات إرهابية ضد الولايات المتحدة وأوروبا.
وتحدث مسؤولون أميركيون بشرط عدم الكشف عن هويتهم لأنهم لم يرغبوا في تحديد هويتهم لمناقشة برنامج مصنف.
في صيف عام 2012، كان ديفيد بيترايوس، الذي كان آنذاك مدير وكالة الاستخبارات المركزية، أول من اقترح برنامجاً سرياً لتسلح الثوار وتدريبهم.
تمخض عن الاقتراح إجراء مناقشة داخل إدارة أوباما، مع بعض كبار مساعدي السيد أوباما الذين يقولون إن ساحة المعركة الفوضوية في سوريا ستجعل من المستحيل تقريباً ضمان أن الأسلحة المقدمة من قبل وكالة السي آي أيه يمكن أن تبقى بعيد عن أيدي الجماعات المسلحة مثل جبهة النصرة؛ فرفض السيد أوباما الخطة.
لكنه غير رأيه في العام التالي، ووقع على تسليح وتدريب مجموعات صغيرة من الثوار سراً في قواعد في الأردن. وجاء هذا التغير الجزئي بسبب الضغط الشديد من جانب القادة الأجانب بمن فيهم الملك عبد الله الثاني ملك الأردن ورئيس الوزراء بنيامين نتانياهو الذي قال أن على الولايات المتحدة أن تلعب دوراً أكثر نشاطاً في محاولة إنهاء الصراع.
بدأ البرنامج السري ببطء، ولكن بحلول عام 2015، أحرزت جماعات الثوار المدعومة من قبل وكالة الاستخبارات المركزية تقدماً كبيراً على حساب قوات بشار الأسد، وسيطرت على مناطق طالما اُعتبرت معاقل للنظام. اكتسب الهجوم زخماً بعد أن بدأت وكالة السي آي أيه والمملكة العربية السعودية في توريد الأسلحة القوية التي تدمر الدبابات إلى الجماعات الثائرة.
لكن خلق تقدم الثوار في محافظات إدلب وحماة واللاذقية في شمال سوريا أيضاً مشاكلاً لواشنطن. وقد حققت جبهة النصرة- التي تقاتل في كثير من الأحيان جنباً إلى جنب مع الجماعات الثورية التي تدعمها الولايات المتحدة- مكاسبها على الأرض.
كانت نجاحات جبهة النصرة التي استخدمها بوتين مبرراً للتدخل العسكري الروسي في سوريا، الذي بدأ في عام 2015. سحقت الحملة الروسية- وهي قصف لا هوادة فيه للمقاتلين المدعومين من وكالة المخابرات المركزية ومسلحي جبهة النصرة- بما حققه الثوار وأدت إلى تراجعهم.
وعانى البرنامج من نكسات أخرى. وفقد حدث تسليح وتدريب الثوار في الأردن وتركيا، وفي وقت ما، سرق ضباط مخابرات أردنيون مخزونات الأسلحة. مما أدى إلى الثوار السوريين، وبيعها في السوق السوداء. في تشرين الثاني/ نوفمبر، أطلق أحد أفراد الجيش الأردني النار وقتل ثلاثة جنود أمريكيين كانوا يدربون الثوار السوريين كجزء من برنامج التدريب.
كما تلقى مسؤولون في البيت الأبيض تقارير دورية تفيد بأن الثوار المدربين تحت البرنامج قد أعدموا سجناء وارتكبوا انتهاكات أخرى لقواعد النزاع المسلح.
بقي جون برينان، مدير الوكالة الأخير في عهد السيد أوباما، مدافعاً قوياً عن البرنامج على الرغم من الانقسامات داخل وكالة التجسس حول فعالية الجهد. ولكن بحلول السنة الأخيرة من إدارة أوباما، فقد البرنامج العديد من المؤيدين في البيت الأبيض- خاصة بعد أن أصبحت الأولوية العليا في سوريا قتال تنظيم الدولة الإسلامية، المعروف أيضا باسم داعش، بدلاً من السعي لإنهاء نظام بشار الأسد.
ووفقا لشخص حضر الاجتماع، خلال أحد الاجتماعات في غرفة العمليات في البيت الأبيض في نهاية إدارة أوباما، مع استمرار ثوار وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية في خسارة الأرض في مواجهة القصف الجوي الروسي الوحشي، أكد السيد برينان على أن الولايات المتحدة تواصل دعم الجهود لإسقاط بشار الأسد.
ولكن قالت سوزان رايس، مستشارة الأمن القومي: وفقا لما ذكره الشخص في الاجتماع. “أولوية الرئيس في سوريا قتال داعش”.
وبدعم من الطائرات الروسية، بدأت قوات بشار الأسد تدريجياً في استعادة المناطق القريبة من الحدود التركية التي كانت معاقل للثوار منذ فترة طويلة، وأدى ذلك في النهاية إلى تراجع العديد من الثوار في مدينة حلب المحاصرة. وسقطت حلب بيد قوات النظام السوري في كانون الأول / ديسمبر.