“فيروز”.. خارج الزمان والمكان

كثيراً ما أجد الناس يربطون بين فيروز وقهوة الصباح، يقولون فيروز والقهوة طقس صباحي، فيروز والقهوة وأمطار الخريف. ولكن فيروز بالنسبة لي تقف خارج الزمان والمكان، تقف على الحدود بين الحقيقي والمتخيل. أستمع إليها فأتألم كما تتألم كلمات الأغنية، أو أفرح بها كما تفرح، أو أطرب كما تطرب هي بلحنها.

لا أعرف لماذا ولا كيف، ولكن الأمر لم يعد يحتاج تفسيراً بالنسبة لي، لقد أصبحت وأنا في عمري هذا أستسلم تماماً لهذا السحر، سحر الصوت، وسحر اللحن، وسحر الإحساس. أفكر كثيراً كم أن أصوات البشر هي المعجزة الحقيقة، لا الكمانات ولا النايات ولا الأعواد والقيثارات، كيف يخرج الصوت هكذا آخذاً بتلابيب العقل من بين جنبات اللحم والدّم. هي معجزة الجمال التي أرى صنع الله فيها كلما أخذتني عبرة القهر أو قفزت نفسي مع فرح اللقاء، أو تألمت روحي لمرارة الفراق.

أذكر أنني عندما كنت طفلة لاهية لم ألتفت كثيراً لفيروز، كان صوتها حزيناً ربما بالنسبة لي، فلم يلائم طفولتي الساذجة. شيئاً فشيئاً أصبح سواد العالم أكثر وضوحاً، جاءت الانتفاضات والحروب والمجازر، وصدحت معها فيروز. أول ما عرفت كان “زهرة المدائن” ولأنني فلسطينية فقد رأيت في غنائها للقدس أمراً يعنيني ويعزّيني، كانت الأغنية تنعى الموتى، وتحفظ ذكراهم ربما، كنت أقف دائماً عند:

لن يقفل باب مدينتنا فأنا ذاهبة لأصلّي
سأدقّ على الأبواب وسأفتحها الأبواب
وستغسل يا نهر الأردن وجهي بمياه قدسية
وستمحو يا نهر الأردن آثار القدم الهمجية

أردد معها بإخلاص، وكأن الصوت كلما كان أعلى كلما كانت فرصة تحقق الكلمات أكبر؟ كنت أتخيل المشهد، أتخيل المغارة، والأجراس والمآذن، أتخيل الأزقة والماء يغمرها فتنتقل من حمرة الدماء إلى بياض الحجارة. ثم كبرت قليلاً، وفهمت معنى الغربة، ومعنى ألا يكون لك وطن تعود إليه، ألا تعرف أين أنت وإلى ماذا تنتمي، أن لا تتعرف عليك الأرض التي ولدت عليها، كنت أسمع:

فزعانة يا قلبي
أكبر بهالغربة
ما تعرفني بلادي
خدني على بلادي

وأردد معها والحرقة في صدري والغصة في حلقي، ولا أعرف أين بلادي التي أبكي عليها، ولكنني أعرف أنني لست فيها، ثم كبرت وأصبحت أرددها وأرى تلالاً وطرقاً ترابية، ثم صارت نبتات الصبر تنمو على الجانبين، وأغصان الزيتون وأشجار الليمون بثمارها الصفراء تطل من ورائها، ثم تسللت إلي رائحة الخبز، وعبق الزعتر، ومرارة زيت الزيتون الأخضر.

يا نسيم اللي مارق عا أرض الغار
حلفتك تجي تلعب عندي بهالدار
خبرني انكان بعدو بيذكرني
ببلدي وعالسهرة ناطرني
حلفتك خبرني كيف حال الزيتون
والصبي والصبيي بفيي الطاحون
واللوزي والأرض وسمانا
هو هني بلدنا وهوانا

الاستماع إلى فيروز ليس سهلاً، إن فيه معاناة من نوع خاص لمن تحمل كل كلمة وكل لحن عنده طوفاناً من الصور والذكريات التي عاشها ولم يعشها. لقد تخطى الأمر “المزاج” و”الحالة”، لقد أصبحت مرادفاً لحياة غيبتها “الظروف” وقهر المعتدي على كثرة صوره. هل يمكن أن أسمع لبيروت مثلاً ولا “ينحرق قلبي” على المدينة؟ على أهلها؟ علينا؟ على خيباتنا؟ على الأعمار التي لم يعشها أصحابها؟ على البيوت التي حولها أهلها رماداً؟ هل يمكن أن نقول: من قلبي سلام لبيروت دون أن ينخلع القلب مع السلام الذي يخرج إليها؟

لبيروت من قلبي سلامٌ لبيروت وقُبلٌ للبحر والبيوت لصخرةٍ كأنها وجه بحارٍ قديمِ
هي من روحِ الشعب خمرٌ هي من عرقِهِ خبزٌ وياسمين فكيف صار طعمها طعم نارٍ ودخانِ..
لبيروت مجدٌ من رمادٍ لبيروت من دمٍ لولدٍ حُملَ فوق يدها أطفأت مدينتي قنديلها
أغلقت بابها أصبحت في السماء وحدها … وحدها وليلُ..

أحب أن أشاهد فيروز وهي تغني في الحفلات لا التسجيلات، أنظر إليها وقد اختلفت عبر السنوات، أرى السيدة المسنّة، أشعر برغبة في البكاء
طيب هل تسمع مثلاً “رجعت الشتوية” ولا تصاب بوحشة البعد؟ هل تسمعها ولا تفكر في كل من يعيش شتاءً بعيداً وحيداً؟ أنزل بشاشتي لأقرأ، فأجد أفواجاً من المهجرين والمغَرّبين، سوريا، العراق، لبنان، فلسطين، المغرب، من كل مكان.. يتمنون أيام الشتاء القديمة، يقولون عاد الشتاء ولم نعد بعد، يؤمنون على دعاء بعضهم أن يمضوا الشتاء القادم في غرف دفأتها أنفاس من يحبون، في بيوت تعرفهم وتحفظ حرارة أجسادهم، يلتحفون ويشربون أكواب السحلب، يشوون الكستناء، والبطاطا.. أحلام متواضعة جداً ولكنها تخترقني كخناجر مسنونة، لأنها ذكريات تحمل كل ما عرف هؤلاءـ تحمل حياة كانوا يظنونها باقية لهم، حتى استيقظوا ذات يوم على غربة متوحشة اختاروها أو أجبروا عليها، ولكنها الآن حقيقتهم التي تلتهم كل شيء.

كثيراً ما أقول لنفسي، تبالغين يا أحلام، لا يستحق الأمر كل هذا “العمق” ولا كل هذا التأثر، هي فقط أغنيات، ولكنني أستطيع أن أصدق هذا، لا أستطيع أن أصدق أنها “فقط” أغنيات، لا “البوسطة”، ولا “ضاق خلقي يا صبي”، ولا “فوق هاتيك الربى”، ولا “رفيقي صبحي الجيز”، ولا.. ولا… لا يمكن أن تكون مجرد أغاني، كما أن روايات رضوى عاشور ليست سوى “روايات”، وكما أن قصائد أحمد مطر ليست سوى “قصائد”.

إنها جزء من أيامنا وأحلامنا وأعمارنا. كلما مضى عام، يقولون: عيد ميلاد فيروز، بالأمس تأملت في حقيقة أن فيروز في الثمانيات، قمت بتشغيل مقطع مصور فيه مجموعة من أغانيها أعدّه أحدهم، استعمت معي ابنتي، سألتني: من يغني؟ قلت لها: من تعتقدين؟ حاولَت أن تتذكر الاسم، قلت لها أن فيروز ولدت في مثل هذا اليوم، سألتني: هل هي حقيقية؟ قلت لها نعم يا ماما هي حقيقية وهي من بلد في بلاد الشام اسمه لبنان. طلبت مني أن آخذها يوماً ما إلى لبنان حتى ترى فيروز.

فكرّت في نفسي، قلت ربما هي أعوام وتغيب فيروز، ثم يبدأ كل ما كنّا نعرف بالغياب شيئاً فشيئاً. أحب أن أشاهدها وهي تغني في الحفلات لا التسجيلات، أنظر إليها وقد اختلفت عبر السنوات، أرى السيدة المسنّة، أشعر برغبة في البكاء.

 

كاتبة وباحثة