العراق: جريمة منظمة وسوق سلاح كبير!

بغداد – وكالات فيتو بوست:

أصبح للسلاح غير المرخص سوقاً رسمية في بغداد بالتزامن مع ارتفاع معدلات الجريمة المنظمة بشكل واضح في العراق. وسجّلت السلطات الأمنية العراقية خلال الشهر الماضي، أعلى معدل للجرائم  في البلاد منذ سنوات، بلغ أكثر من ألفي جريمة قتل، وسطو مسلح، وسرقة واعتداء، وابتزاز واتجار بالمخدرات وسرقة الأعضاء في عموم مدنها، وفقا لمصادر أمنية عراقية في وزارة الداخلية.

وزادت هذه الجرائم أكثر من 40 بالمائة عن الشهر ذاته من العام 2016، وهو ما يضع القوات الأمنية والحكومة أمام تحدٍّ خطير لمواجهة شبكات وعصابات الجريمة المنظمة، التي استغلت حالة الحرب مع تنظيم “داعش” لتنشط وتتوسع في المدن التي تخضع في الأصل لسيطرة الدولة.

واليوم الإثنين أبلغ مسؤول عراقي رفيع في وكالة الاستخبارات التابعة لوزارة الداخلية “العربي الجديد”، نية الحكومة إطلاق حملة واسعة لمطاردة شبكات وعصابات الجريمة المنظمة في البلاد، والتي تتركز بحسب عددها في بغداد ثم البصرة ثم ديالى وبابل وميسان وصلاح الدين بالدرجة الأساس.

ووفقا للمسؤول ذاته، فإن رئيس الحكومة أوعز بتشكيل خلية أمنية للإشراف على مهمة ملاحقة تلك العصابات، وستشترك قوات من الشرطة وجهاز مكافحة الإرهاب والاستخبارات والجيش في العملية. ووصف المهمة بأنها باتت ضرورية للغاية لكنها معقدة، فهناك عناصر أمن فاسدة وأفراد من المليشيات (الحشد الشعبي) متورطون مع تلك العصابات، وجماعات أخرى تتحرك تحت غطاء من أحزاب مختلفة مشاركة في السلطة.

وبيّن أن جرائم تلك العصابات تسببت بمقتل عشرات العراقيين أو إعاقتهم، إلى جانب خسائر مادية كبيرة تقدر بأكثر من 20 مليون دولار خلال 2017 من تجارة المخدرات والخطف والابتزاز والسطو المسلح والسرقة.

من جانب آخر، صادرت السلطات العراقية، أمس الأحد، كميات كبيرة من الأسلحة والأختام المزيفة والعملة المزورة، خلال مداهمة “سوق مريدي” شرقي العاصمة العراقيةبغداد، والتي تعد إحدى أخطر أسواق العاصمة، والمزدحمة دائماً بالمواطنين من مختلف المدن والمحافظات العراقية.

وأظهرت صور نشرتها وزارة الداخلية العراقية عبر “فيسبوك”، كميات كبيرة من الأسلحة المتوسطة والخفيفة والقنابل وقذائف محمولة على الكتف، والتي تمت مصادرتها من داخل السوق بعد الاستعانة بمروحيات حلقت في سماء المنطقة خوفاً من وقوع اشتباكات مع قوات الأمن كما حدث في مداهمات سابقة.

ولا يكتفي تجار سوق مريدي ببيع السلاح أو تزييف الأختام، بل يقومون ببيع الأعضاء البشرية، وخصوصاً الكلى التي يتم الاستحواذ عليها عادة بطرق غير قانونية، فضلاً عن تزوير الوثائق الرسمية، وخاصة جوازات السفر وبطاقة الجنسية العراقية.وتتكون السوق من ثلاثة شوارع متجاورة تضم عشرات الدكاكين، وعادة ما يكون كثير منها فارغاً لا يحوي أي بضاعة، سوى مقعد ومنضدة يجلس خلفها شخص، وهذه دكاكين مختصة بالتزوير، فيما يقصد طالب شراء السلاح الأرصفة على جانبي السوق، حيث يتم عرضها علناً.

ويعود تاريخ السوق إلى عام 1963، عندما قام الرئيس العراقي السابق، عبد الكريم قاسم، باستقدام عائلات من ريف الجنوب وإسكانهم في أطراف بغداد الشرقية، وهناك ظهر أول دكان لبيع المواد الغذائية لشخص اسمه مريدي، وبعدها تجمع عدد آخر من الأشخاص وفتحوا دكاكين مجاورة، ثم تحول المكان إلى نقطة التقاء أصحاب الحافلات القادمين إلى العاصمة، وبات يطلق عليه اسم “دكان مريدي”، ثم تحول بمرور الزمن إلى “سوق مريدي”.

يقول الشاب العراقي حسين علاء، إنه زبون دائم في السوق، وإن آخر ختم مزيف حصل عليه كان لإجازة مرضية من أحد مستشفيات بغداد تسبب في إعفائه من الغياب عن جامعته الذي كاد أن يتسبب في فصله.
ويضيف لـ”العربي الجديد”: “اعتدت على الذهاب إلى سوق مريدي القريبة من منزلي منذ كنت طالباً في الثانوية، كنت أحصل على نتائج امتحانات مزورة لأسلمها لأهلي بدلاً عن نتائج الامتحانات الحقيقية المتدنية التي كنت أحصل عليها. أسعار الأختام تتباين في السوق. ختم الإجازة المرضية يكلف 50 ألف دينار عراقي (40 دولاراً أميركياً)، وهو أقل سعر للأختام التي يتجاوز سعر بعضها مليون دينار عراقي (800 دولار)، كل هذا يتم بالقرب من دوريات الشرطة التي تخشى التدخل خوفاً من عمليات انتقام يقوم بها المزورون الذين يرتبط عدد كبير منهم بجماعات مسلحة”.

وتقول الحاجة جميلة المحمدي، لـ”العربي الجديد”، إنها وقعت ضحية عملية تزوير تمت في سوق مريدي، “اشتريت قبل ستة أشهر منزلاً في حي السيدية جنوب غرب بغداد بمبلغ 60 مليون دينار عراقي (48 ألف دولار). اطلعت على جميع أوراق ملكية المنزل عند مكتب الوساطة العقارية قبل أن أدفع الثمن، لكني صدمت حين ذهبت لنقل الملكية، حيث اكتشفت أن المنزل مسجل باسم شخص آخر”.

وتابعت “اكتشفت لاحقاً أن الأوراق التي بيع المنزل لي على أساسها زورت في سوق مريدي،  ذهبت إلى مركز الشرطة وسجلت بلاغاً بالحادث، لكنه لم يكن مجدياً، لأنني بعدها تعرضت للتهديد من قبل جماعة تنتمي إلى فصيل مسلح أرغمتني على قبول ربع المبلغ الذي دفعته مقابل إغلاق الدعوى”.

ويروي علي فهمي، وهو صاحب مكتب لبيع وشراء العقارات في حي المنصور الراقي وسط بغداد، لـ”العربي الجديد”، إن قصص تزوير الوثائق في سوق مريدي، لا تتوقف والحكايات حولها كثيرة، ومنها أن “سياسي متنفذ استولى على أرض سكنية تبلغ مساحتها ألف متر تابعة لضابط كبير في الجيش العراقي السابق. هذا السياسي جاء بأوراق مزورة تشير إلى أحقيته بالتصرف في الأرض”.

 وتعلن وزارة الداخلية العراقية على موقعها الإلكتروني، بين فترة وأخرى عن اعتقال أفراد أو عصابات، بتهم الخطف والسرقة والابتزاز والسطو المسلح أو الاتجار بالمخدرات والأعضاء البشرية والدعارة، إلا أن العدد على ما يبدو كبير لتلك التشكيلات التي تجد ربحا سريعا في عملها، خاصة مع تحرك عدد كبير منها تحت غطاء قوات الأمن أو الحشد الشعبي أو تشكيلات حماية المسؤولين.

وفي السياق قال المستشار السابق لوزارة الداخلية العراقية لشؤون العنف المجتمعي، حسين نصار الدوري، لـ”العربي الجديد”، إنّ “أغلب الشبكات والعصابات يتورط بها أفراد تتراوح أعمارهم بين 16 و25 عاما، لذا نحن نتحدث عن جيل نشأ وكبر في كنف الاحتلال الذي رافقه ارتباك القيم الاجتماعية وتسيّب من المدارس”.

ولفت إلى أن ” البدء بمحاكمات علنية لمن تم اعتقالهم مهم جدا، وكذلك تخصيص مكافآت لاعتقال العصابات تماما كما هو الحال للجماعات الإرهابية سيكون مفيدا جدا للعراق”.وأوضح أن “الوضع العراقي الحالي فيما يتعلق بالجريمة المنظمة يذكرنا بدول أوروبية بعد الحرب العالمية الثانية، والحالة تتطلب جهدا جبارا من قبل الدولة ليس أمنيا فقط، بل ثقافيا واجتماعيا وتعليميا تشارك به كل المؤسسات حتى الإعلامية منها”.

إلى ذلك، أعلن رئيس مجلس محافظة ديالى علي الدايني، عن موافقة وزارة الدفاع العراقية على دعم الحكومة المحلية هناك بقوات أمنية لملاحقة الخارجين على القانون في المحافظة، موضحا خلال تصريح صحافي، أن الفترة المقبلة ستشهد نشر قوات مشتركة في مناطق محددة بالتنسيق مع القيادات الأمنية المحلية.

وأشار إلى وجود عصابات وشبكات إجرامية في عدد من مناطق ديالى ما يشكل تهديدا مباشرا للأمن والاستقرار، وضررا بالغا للمدنيين الذين يدفعون ثمن ما يحصل في مناطقهم من خطف وقتل وابتزاز، مؤكدا أن حماية المدنيين هناك تقع على عاتق مجلس محافظة ديالى، الأمر الذي دفع الحكومة المحلية إلى تقديم طلب رسمي للمؤسسة الأمنية العليا في وزارة الدفاع وقيادة العمليات المشتركة من أجل دعم ديالى بقوات إضافية تشارك في حملة مكافحة الخارجين على القانون، مضيفا أن “المؤسسة الأمنية وافقت”.

وتابع أن “القوات ستصل من بغداد إلى ديالى قريبا جدا، وستنتشر في مناطق محددة بالتنسيق مع القيادات المحلية، وسيكون لها دور في إنهاء استفحال إجرام للعصابات والشبكات”.

وتشهد أغلب مدن ومناطق محافظة ديالى انتشارا واسعا لفصائل مليشيا “الحشد الشعبي” التي اتهمت من قبل سياسيين بارتكاب جرائم قتل وخطف وابتزاز بحق المدنيين.

وفي السياق، عبر الزعيم القبلي فالح الجنابي، عن أمله في أن تشمل الحملة ضد الخارجين على القانون بلدة جرف الصخر بمحافظة بابل (100 كلم جنوب بغداد) والمناطق والقرى المحيطة بها التي تخضع لسيطرة الجماعات الخارجة على القانون منذ أكثر من ثلاث سنوات، مناشدا خلال حديثه لـ “العربي الجديد” رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، بصفته القائد العام للقوات المسلحة، بإرسال قوات أمنية إلى البلدة، وإصدار قرار يعيد نازحي جرف الصخر إلى منازلهم التي استولت عليها الفصائل المسلحة وحولتها إلى معسكرات ومعتقلات.