صباح وفيروز: مسارات حرب صامتة على عرش الأغنية اللبنانية

مع حلول العام 2018، يبدو واضحاً أن الأغنية اللبنانية تعيش كبوة، وانحساراً لموجة “النجم اللبناني” الذي كان جزءاً من صناعة مشهد الموسيقى العربية خلال خمسينيات وستينيات وسبعينيات القرن الماضي. ومع صدور ألبوم فيروز، يبدو بشكل واضح أنّه لم يحقّق النجاح المرجوّ منه، حيث انهالت عليه الانتقادات. لكنّ رغم فشل العمل الأخير، تتربّع فيروز وحيدة على عرش الأغنية اللبنانية. العرش الذي عرفت جيداً كيف تحافظ عليه، رغم غياباتها الكثيرة. لكن المنافسة على هذا العرش كانت في سنوات خلت محتدمة وعنيفة. فيروز وصباح، صباح وفيروز، صراع خفي وجميل خيّم على الأغنية اللبنانية لأكثر من 5 عقود.
اليوم ومع انتهاء زمن المعارك الفنية بين الفنانتين، مع رحيل صباح (26 نوفمبر/تشرين الثاني 2014) ومع صدور ألبوم فيروز الجديد “ببالي”، نستعيد بعض تفاصيل هذا الصراع، في ظلّ غياب أي تجربة فنية حالية توازي بثقلها تجربة هاتين الفنانتين.

والبداية بصباح (جانيت فغالي). شابة لبنانية تغني في بلادها على استحياء، إلى أن اكتشفها قيصر يونس صهر المنتجة آسيا داغر، عارضاً عليها فرصة الذهاب لمصر والعمل هناك، كممثلة ومغنية. انطلقت الطفلة صباح إلى مصر، وقد أنتج لها فيلماً “القلب له واحد” (1945)، لتضع صباح بعدها قدماً على أول الطريق، بعد منحها اسم صباح. فتحولت إلى ثانية الممثلات والمطربات القادمات من لبنان بعد نور الهدى، وقبل نجاح سلام.

 

مع أول فيلم لصباح، كانت نهاد حداد (لاحقاً فيروز) تغني في أروقة المدرسة، ويسمعها الملحن محمد فليفل، لتبدأ الغناء في كورس الإذاعة، فيتيح لها فرصة غناء مقاطع منفردة عن الكورس. في ذلك الحين، كانت قد بدأت نهاد الدراسة الموسيقية بجانب الإذاعة، وعمل الموسيقار حليم الرومي على تدريب الصوت وتهذيبه، وتقديم ألحان لها، فغنت معه “أبيع الورد”، ولحن لها “يا حمام يا مروح”، من كلمات فتحي قورة، واختار لها اسم فيروز، ليصبح هو الاسم الأشهر والأهم في تاريخ لبنان الموسيقي خصوصاً، والوطن العربي عموماً.

 

هكذا كانت البداية، صباح تنطلق من مصر، وفيروز من الإذاعة اللبنانية، سيكون هذا هو شكل المسار العام لهما على مدار مشوار فني طويل، حيث كتب على صباح التنقل والسفر بين مصر ولبنان وسورية، وكتب على فيروز أن تصنع مجدها من هنا، من لبنان.

صوت صباح لم يكن قد اكتمل نضجه، فقدمت أغاني خفيفة في اللحظة التي كانت تفتقر فيها الساحة لهذا الشكل من الغناء، خاصة مع تصدر أم كلثوم والأغنية الكلثومية للمشهد، وحلت شادية كصوت مصري مقابل لصوت صباح، ولحن لها في هذه الفترة العديد من الملحنين، مثل أحمد صبره ومحمود الشريف.

لم تنس صباح لبنان، فقدمت أغاني لبنانية، مع الملحن اللبناني نقولا المنى وفيلمون وهبي. سيطر الأب على ابنته صباح في الفترة الأولى، من الناحية المادية والاجتماعية، كان قاسياً معها في أغلب الأوقات، حتى أنه رفض زواجها كي لا يشاركه أحد في العائد المادي من نجاح صباح.

ربما كان هذا الرفض، من أهم الأمور في حياة صباح. كانت امرأة لا ترضى بالانسياق خلف أحد، فلن تجد في مسيرة صباح، شخصاً استمر بجانبها لفترة طويلة، أو شخصاً كان سبباً في توجيهها، كانت دائماً هي صاحبة الكلمة والاختيار.

في الجهة الأخرى، كانت فيروز تمثل النموذج المضاد لصباح، بعدما التقطها عاصي من داخل جدران الإذاعة، وبدأ معها تقديم أغنية لبنانية خفيفة وجديدة، كمنافسة جريئة لعاصمة الفن القاهرة، وتقديم أغانٍ تواجه أغاني صباح وشادية في ذلك الوقت ببصمة لبنانية واضحة.
تزوج عاصي فيروز بعد ثلاث سنوات من تعارفهما، وكان له ولشقيقه منصور مشروع موسيقي جديد على الساحة الفنية، أهم سماته الفنية هي الهوية اللبنانية، بجانب الألحان الخفيفة والبسيطة.

في المقابل، أصبحت صباح نجمة سينما، لكن صوتها لم يكن يفصح عن قدراته الكاملة. كانت تُعامل على أنها صاحبة إمكانيات صوتية ضعيفة، يكفي لها أن تقدم أشكالاً غنائية خفيفة أقرب إلى المونولوغ. لكن الشابة اللبنانية كانت تنطلق من نجاح إلى نجاح، ومن زواج إلى زواج، بعدما قررت أن تكسر سيطرة والدها عليها، وتنطلق وحدها في الحياة، لتجني ثمار نجاحها وموهبتها.

أما فيروز فاكتفت بأن تكون صوت المشروع الجديد، لتتحول تدريجياً إلى رمز لبناني من الدرجة الأولى، وهو تحديداً ما كان يبحث عنه الأخوان رحباني. صوت لبناني خام بعيد عن مركزية القاهرة. ثورة غنائية رحبانية، كانت بكل تأكيد من أكبر صدمات الموسيقى العربية غير المتوقعة.

تدريجيًا بدأت صباح في تأكيد موهبتها، وامتلاكها صوتاً قادراً على الغناء الصعب. كان كمال الطويل هو صاحب ضربة البداية في اعتراف الجمهور بصوتها، من خلال أغنية “مال الهوى”. وضعتها هذه الأغنية في مكانة المطربات الكبار في مصر، وبدأ الطويل ومحمد الموجي وبليغ حمدي بعدهم، في اكتشاف مساحات جديدة في صوتها.

 

تقاسمت صباح وفيروز الساحة الفنية النسائية خلال الستينيات، حتى مع استقرار صباح في لبنان منتصف الستينيات، بدأت في تقديم عدة أفلام سينمائية لبنانية وسورية، وقدمت كل منهما 8 حفلات في مهرجانات بعلبك، حتى أن مجلة الشبكة في استفتاء عام 1964، أظهرت تقاسم صباح وفيروز لقب أفضل مطربة في لبنان.
استمرت الحرب الجميلة بين صباح وفيروز في السيطرة على الساحة الفنية، غنت صباح مع الرحابنة، وغنت فيروز أغاني سيد درويش، وتعاملت مع محمد عبد الوهاب، لكنها جعلته يلحن لها ألحاناً بنكهة لبنانية، بنكهة رحبانية بشكل أكثر دقة، مثل “سهار” و”سكن الليل” و”مر بي”.

كان عبد الوهاب يحلم بدخول هذه الساحة الجديدة، ساحة الرحابنة، وأن يحصل على نصيب منها، بدأ ذلك بأن جعل فيروز تغني أغنيتين له، “خايف أقول اللي في قلبي”، و”جارة الوادي”، ونجح في إيقاع فيروز في فخ المقارنة بينها وبينه، والتي دائماً ما كانت في صالح عبد الوهاب. كما قدم لصباح العديد من الأغاني بحكم عملها في مصر.

صباح كانت أحد مشاريع بليغ حمدي الناجحة، واستطاع تقديم العديد من الأغاني المهمة في مسيرتها، ختمها جمال سلامة في السينما وكانت أغنية “ساعات ساعات”. أما فيروز فكان مشروعها في ذلك الوقت يبدأ في الانتقال تدريجياً إلى ابنها زياد الرحباني، ليبدأ رحلته مع فيروز، ويقدم مشروعاً جديداً، يكمل لفيروز مشوارها الفني، ويحقق لها تفرداً فوق تفردها، ويعيدها إلى الساحة.

 

كما قدمت تجربة مع زكي ناصيف، ولاقت نجاحاً أيضاً، ولكن يبقى لزياد الفضل الأكبر في استمرار مسيرة فيروز، فلم تعد مطربة من زمن الفن الجميل، بل انتقلت معه إلى مكانة أعلى من حسابات الزمن، وأصبحت حاضرة دائماً وكأنها حالة متجددة باستمرار.

في ذلك الوقت كان كل التعامل مع صباح، من منطلق اعتبارها جزءاً من الزمن القديم، لها مكانتها وتقديرها بكل محبة ووفاء، لكنها تنتمي لزمن الماضي، أما فيروز فكانت مع زياد مطربة كل الأجيال.

اليوم انتهى الصراع، كُتبت خاتمته بإكليل الورد الذي أرسلته فيروز لصباح يوم دفنها وكتبتْ عليه “شمسك ما بتغيب”.