نائب مسبة لبلاده

حدث خلال الحرب العظمى (الحرب العالمية الأولى) أن ندد الاشتراكيون بتلك الحرب على أنها حرب إمبريالية وأهابوا بالناس إلى عدم الاشتراك فيها والسعي لإيقافها. كان من هؤلاء رمزي مكدونالد، زعيم حزب العمال، الذي كان بالإضافة لاشتراكيته، مؤمناً أيضاً باللاعنف والسلامية. أثار ذلك بالطبع الوطنيين والقوميين ضده، وكان منهم بوتملي صاحب جريدة «جون بول» التي دعا فيها عام 1915 إلى إحالة مكدونالد إلى محكمة عسكرية بتهمة الخيانة والحكم بإعدامه. نشر بوتملي مقالة مثيرة قال فيها:
«مضت عدة أشهر منذ أن تجاهل هذا الرجل الذي يسمي نفسه رمزي مكدونالد بينما اسمه الحقيقي جيمس مكدونالد رمزي، الاستجابة الكاملة تقريباً لنداء الملك بحمل السلاح. نحن نصفه باستمرار كخائن وجبان وناشدنا أهالي مدينة ليستر بغسل هذا العار المتمثل بتمثيله لهم في البرلمان».
ومضى الكاتب ليوضح السر في هذا التناقض في الاسم والزيف الكامن وراءه، ثم أدرج صورة شهادة الميلاد لزعيم حزب العمال التي أثبتت ليس فقط زيف اسمه بل وكشفت أيضاً أنه كان في الواقع نغلاً. بالطبع لا يعبأ أحد في الغرب الآن لمثل ذلك، ولكن الأمر كان مختلفاً في ذلك الزمن. مضى الكاتب لينادي بطرد مكدونالد من البرلمان لفوزه بمقعده زوراً وتحت اسم مزيف وطالب بتعويض وغرامة عن تزويره.
«وهذه واقعة تكشف أن جيمس رمزي مكدونالد، النائب عن ليستر، الزعيم الزائل لحزب العمال، العضو الزائل للجنة الملكية والنبراس المنير لاتحاد الحكم الديمقراطي هو مسبة لبلاده وعار عليها وليس سوى ابن غير شرعي لخادمة اسكوتلندية».
وقعت المقالة كالصاعقة على مكدونالد فكتب في يومياته «في اليوم الذي نشر فيه هذا الهجوم، كنت مسافرا من لوزيماوث إلى لندن بصحبة الكونتيسة ديلاور والليدي مارغريت سكفل وخادمتهما لدى توقفنا في أبردين. لاحظت عناوين الجرائد تشير إلى معلومات مثيرة وعجيبة عن نفسي. وعندما عدت إلى مقصورتنا في القطار رأيت جريدة (جون بول) في يد الخادمة. فاستعرتها منها وقرأت هذه المقالة المخزية. طوال السفرة من أبردين إلى أدنبرة، أمضيت ساعات في أفظع ألم ذهني. المرة الأولى في حياتي وقع فيها نظري على شهادة تسجيل ميلادي كانت عندما تصفحت هذه الجريدة في أبردين. لم أكن أعلم قط أنهم قد سجلوني تحت اسم رمزي. ولا أكاد أفهم ذلك حتى الآن».
ومع ذلك فقد مضى مكدونالد ليقود حزب العمال ويكسب أول فوز ساحق للحزب على الأحزاب الأخرى في انتخابات عام 1929 ومن ثم يترأس أول حكومة عمالية في تاريخ بريطانيا. وبقي مكدونالد يجهل تماماً من كان الأب الحقيقي له.

 

مدونة:

صحافي وكاتب ومؤلّف عراقيّ